يوسف زيدان
43
إعادة اكتشاف ابن نفيس
وقد أوردنا هذه الأمثلة لتبيان أن ابن فضل الله مبالغ بطبعه ، أو هو يخفى نقله عن السابقين والمعاصرين ، فيموّه بتلك الديباجات الرائعة التي يؤلّفها ، ثم ينقل بعدها نقلا مباشرا ما أورده الآخرون من المؤرّخين والمترجمين . . وقد نقل الجزء السابع عشر بتمامه من ابن سعيد وابن بسّام ! وهو ما يظهر بوضوح عند مقارنة التراجم التي أوردها ابن فضل الله في مسالك الأبصار بما أورده ابن سعيد في المغرب في حلى المغرب ، وابن بسّام في الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة . . وإن كانت من فضائل ابن فضل الله ، أنه يصرّح بمصادره . وبخصوص ابن النفيس ، فإن ما سكبه عليه ابن فضل الله في ديباجة الترجمة ، هو محض تهويل لا يصبر طويلا أمام النظرية النقدية . . إذ الرجل ، على زعم ابن فضل الله : حلّ مصر في محل ملكها ! وهو ما يتناقض مع قول ابن فضل الله نفسه : إن ( ابن النفيس ) كان يجلس عند عطار شرابى ! وهو الأمر الذي يفعله صغار الأطباء - كما سنوضّح بعد قليل - وهو ما يتناقض أيضا مع الواقعة التاريخية وشهادة ( ابن النفيس ) نفسه ، أعنى كونه اشتغل بالطّبّ بعد سنة 629 هجرية ، أي بعد تخطّيه الثانية والعشرين من عمره - وهو سنّ متقدّم بمقياس عصره - وكونه جاء إلى مصر فارّا من اضطراب أحوال الشام موطنه الأصلي الذي عصفت به آنذاك الوقائع ، فمن حروب صليبية ، إلى أخبار مفزعة عن خروج التتار وتدميرهم لمشرق العالم الإسلامي . . إلى حماقات السلطة السياسية الحاكمة ! فمما يحكيه ابن العماد في تأريخه لسنة 626 هجرية ، قوله : وفيها سلّم الكامل القدس الشريف لملك الفرنج ، بعد أن كاتبه الأنبرور « 1 » ملكهم في العام الماضي يقول : أنا عتيقك ، وتعلم أنى أكبر مغول الفرنج « 2 » ، وأنت كاتبتنى بالمجىء « 3 » ، وقد علم البابا والملوك باهتمامى ، فإن رجعت خائبا انكسرت حرمتي ، وهذه القدس هي أصل الديانة النصرانية ، وأنتم قد خربتموها ، وليس لها دخل طائل ؛ فإن رأيت أن تنعم علىّ بقبضة البلد ، ليرتفع رأسي بين الملوك ، وأنا ألتزم بحمل دخلها لك ، فلان له ، وسلّمه إياها في هذا العام .
--> ( 1 ) يقصد : الإمبراطور . ( 2 ) لاحظ هنا اقتران المغول والصليبيين في العبارة . . وفي المعنى ! ( 3 ) لاحظ هنا أن الملك الكامل ، هو الذي دعا الإمبراطور الصليبى .